محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

مقدمة 45

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

« . . . ثمّ تفسير اللعن بالطرد والإبعاد على طريق التوسّع في العبارة لا على طريق الحقيقة والمطابقة ، بل المطابق له بالفارسية : « نفرين » في مقابلة : « آفرين » وهو أن يكون الخلق له خلقا على الحقيقة ، والخلق تفسيره بالفارسية : « آفرينش » و « نفرين » ضدّه ، وهو أن يكون خلقيته بالمجاز لا بالحقيقة ، كالظلّ للشخص ، وكالصورة بالمرآة ، فيشبه أن يكون خلقا وليس بخلق . ولمّا ظهر من إبليس شرّه من سرّه ، لم يبق له وجود على الحقيقة ، كوجود آدم - عليه السلام - وذلك معنى قوله : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ وذلك شبه الخلق ، والباطل يشبه الحق في الكون الأوّل ، ولمّا كان كونه الأوّل إلى يوم الدين ، كانت لعنته الموقتة إلى يوم الدين ، حتى إذا حان يوم الدين وظهر الدين كلّه لمالك يوم الدين ارتفع عنه الشبه وصار إلى سجّين معذّبا ، على أن لا يكون له شبه الحقّ البتة ، كالذين ماتوا وهم كفّار ، فعليهم لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين . وسرّ آخر فالوجود الحقيقي لمّا كان محصورا في ثلاثة أقسام : وجود جسماني ، ووجود روحاني ، ووجود ربّاني منه وجود الجسماني والروحاني . وليس للكافر أحد هذه الوجوه من الوجود ، بل كان له شبه الوجود وليس بوجود ، كان له : « ناآفرين » كما يقول : « نيست » ، أي « نه است » ، فلم يكن له وجود ولا عدم محض ، ولا حياة ولا موت : لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى * فكان عليه لعنة اللّه أي أبعد من جود وجوده ، والملائكة أي إبعاد من وجود روحانيتهم ، والناس أي المؤمنين إبعاد من وجود جسمانيتهم ، والناس هاهنا المؤمنون الذين هم الناس المعنيون بقوله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ فهو بعيد الوجود طريد الذات من الوجوه الثلاثة . » « 1 » 3 . يظهر أنّه في موقفه من تفسير الآية يرجع أحيانا إلى نفسه ليكفّر بلغة فارسية ، وليبيّن قبوله أو عدم قبوله لهذا التفسير ، يظهر ذلك من بعض فلتات لسانه ، مثل موقفه من بعض تفاسير الآية الكريمة : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها . « 2 »

--> ( 1 ) . الورقة 283 آ . ( 2 ) . البقرة / 189 .